الأحزاب السياسية/ حيز مفهوم الفراقشية يطغى على البرامج الاستحقاقاتية

لم يعد يخفى على أحد أن اللقاءات التواصلية للأحزاب السياسية في المغرب، تحولت في الأسابيع الأخيرة من فضاءات لعرض التصورات و مضامين البرامج الاستحقاقاتية ، إلى حلبات للمزايدة في موضوع واحد: مفهوم “الفراقشية”.
الظاهرة إجرامية المجتمعية الخطيرة،التي كان لها انعكاس قوي على المشروع الملكي الصرف “الدولة الاجتماعية ” لا أحد ينكر أنها تقض مضجع الفلاح والكساب واستنزفت الثروة الحيوانية الوطنية بكاملها صناديق الدعم من دافعي الضرائب واثقلت كاهن الدولة بالديوان الى درجة اصبحت الحكومة تفكر في بيع هذه الديون لشركات أجنبية مفارقات لا تقع لحسن الحظ التوفي المغرب ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يعقل أن يختزل المشروع السياسي لحزب يطمح لتدبير ولاية اخرى من الشأن العام، في مطاردة لصوص الماشية والاغنام ؟
الحيز الذي أخذه نقاش “الفراقشية” في كل اللقاءات التواصلية في ربوع المملكة ، بدون أي استثناء، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وفي وقت جد وجيز فاق كل التوقعات . خطابات حماسية، وعود بالضرب بيد من حديد، واتهامات متبادلة حول من يتحمل المسؤولية. رزنامة من المفاهيم المستحدثة التي وجب ادخالها في معاجيم اللغة العربية ، وقليل جداً، بل منعدم، عن التعليم، عن الصحة، عن التشغيل، عن أزمة الماء، عن غلاء الأسعار الذي يطحن المواطن.
إن ما يقع اليوم هو هروب مكشوف إلى الأمام. فبدل أن تواجه الأحزاب المواطن بحصيلتها وببرنامج انتخابي واضح، بأرقام والتزامات قابلة لرب المسؤلية بالمحاسبة، وجدت في “موضوع الفراقشية” موضوعاً سهلاً، شعبوياً، وسلسا يضمن لها تفاعل الجمهور وتصفيقاته وتغطية وتغطية الضعف و انعدام الكفاءة المطلوبة ، دون أن يكلفها عناء التفكير والاجتهاد.
المواطن المغربي اليوم لا يحتاج لمن يخبره أن سرقة الغنم و الابقار جريمة. هو يعرف ذلك. ويلامسه في حياته اليومية ، المواطن يحتاج لمن يخبره كيف سيتم توفير منصب شغل لابنه العاطل، وكيف سيتم خفض فاتورة المستشفى، و إنقاذ مدرسته العمومية من الانهيار في صفة الريادة وتشجيع التعليم الخصوصي ، وكيف سيواجه الجفاف الذي يهدد أرضه.
عندما تتفق جميع الأحزاب، على اختلاف مرجعياتها وألوانها، على جعل “الفراقشية” محور نقاشها الأساسي، فهذا ليس مؤشراً على أهمية الظاهرة فقط، بل هو مؤشر خطير على إفلاس سياسي وبرنامجي جماعي. إنه إعلان ضمني بأن جعبة البرامج الاستحقاقاتية فارغة من اي ابداع يروم مصلحة المواطن والبلد ، وأن أسهل طريق لاستمالة الناخب هو دغدغة مشاعره الأمنية عوض البحث عن حلول تقيه لهيب الاسعار في مجالات الشغل التطبيب والتعليم والحياة الكريمة ،



