يوم الهجرة من فرخانة الى الثغور السليبة

مرت اربع ايام تقريبا على ذلك المشهد السريالي، المؤلم و المهيب الذي تشاء الأقدار ان اعيش كل تفاصيله،و اعاينه ميدانيا، بينما كنت اتجول ليلا هنا لقضاء بعض الاغراض بأحد الحوانيت التي تظل مفتوحة على مدار اليوم،لتجذبني حركة غير معهودة بهذه الربوع الهادئة و التي استسلمت لروتين صمت رهيب يجثم على انفاسها كل ليلة منذ جائحة كوفيد، و تتناهي الى مسامعنا أصوات جلبة على الطريق المحاذية للحدود الوهمية بأسلاكها الشائكة الممتدة بشكل مقزز و مستفز بالقرب من مقبرة سيدي ورياش على طول الحدود الوهمية بين فرخانة وشمالها البحري السليب، هناك حيث توجد مدينة مليلية ذلك الثغر المغربي المحتل منذ يوم 07 سبتمبر 1497. اي بُعبد الإجهاز على كامل بلاد الأندلس.
كنت حينها برفقة ابناي الصغيرين تجاوزنا المدارة المحاذية لمسجد محمد السادس بفرخانة،لنجد اعداد غفيرة من الناس واقفين على ربوة مطلة على المدينة المحتلة،لنفاجأ بتوافد مجموعة من الشباب،و هم يمشون في اتجاهات مختلفة بمحيط المعبر الحدودي المغلق،و ظلت اعدادهم تتكاثر بشكل مخيف وسط أنباء عن محاولات لدخول المدينة عبر معابر أخرى لا سيما معبر بني أنصار.
شدني فضول حارق لمعرفة ما يحدث بالقرب من ذلك الشريان الذي كان عنوانا لهيبة المدينة و رخائها على جميع المستويات، و كان لقطعه و اغلاق البوابة الحدودية بداية الجائحة عظيم الأثر على اقتصادها،و من ثمة احداث تغيير جوهري في كل أنماط الحياة بها و امتدت مضاعفات ذلك الإجراء الى كامل محيطها الجغرافي،بعدما تحولت خطوة الاغلاق إلى جائحة أبدية تجاوزت كل ما فعلته كورونا.
كانت الأمور في البداية توحي بأنها تتجه نحو ما لا تحمد عقباه، لا سيما و أن حناجر المتجمهرين الذين باتوا يتقاطرون على المكان من كل حدب و صوب، كانت تهتف باللغتين الامازيغية و العربية بضرورة فتح البوابة،وتمكينهم من العبور نحو الثغر المحتل أمام اصرار و حزم السلطات المرابطة هناك على تأمينها،و العض بالنواجذ على بقائها على حالها مغلقة، بيد أن كل العناصر الامنية المتواجدة هناك بكل اصنافها و تلاوينها على شكل حاجزا منيعا حال دونما تقدمهم، بل و تعاملت مع الوضع بكل هدوء و حنكة و اقتدار منذ البداية الى غاية مطلع الفجر عندما تم تفريق الحشود بسلاسة و أمان تامين،و هو أمر لا أعتقد أن هناك من ينكره ممن كان حاضرا سواء في قلب الحدث،ام واقفا على إحدى الربى المطلة على النقطة الحدودية.و ليست مجاملة لأحد الإشهاد على ذلك.
حقيقة كان الأمر صعبا علي،و لم لا و انا الفار للتو من حرارة المناطق الداخلية بحثا عن قليل من الراحة و النأي بروحي المرهقة بعيدا عن ضغط آثار اضراب متواصل ضد قانون يمس حقوق الدفاع و يضربها في الصميم، و استجابتي لقرار التوقف الشامل عن العمل، و إغلاق مكتبي حتى إشعار آخر، و أرحل الى بلدة مقدسة تسكن حشاشة القلب،و لن يكون بمقدوري أن أنسى جميل أهلها ابدا سواء كانوا في فترة رخاء او شدة،و لن ابدل حبها مطلقا.غير أن ما زاد في ألمي في تلك اللحظات القاسية من المشهد الصادم أمامي،هما صغيري اللذين أمطراني بسيل من الأسئلة المرعبة حول إعطاء تفسير لهما حول ما يحدث،و بدوري كأب كنت ملزما بتقديم إجابات مقتضبة، سريعة،لكنها مطمئنة،و تراعي صغر سنهما،و مستوى ادراكهما للأمور.
إن ما يقع في هذه الربوع الغالية من وطننا،و ان كان الظاهر منها انها تندرج في إطار ما تشهده بلادنا من أزمة اقتصادية خانقة،وعامة ألقت بظلالها على القدرة الشرائية للمواطن، بفعل غلاء الأسعار و البطالة و الفقر و غيرها،فإن هناك حقائق أخرى،لا يمكن اغفالها،لاهميتها،و يتم تجاهل دورها الحاسم في من حيث المكان،و يمكن ربطها اساسا بذلك الموقع الجغرافي المميز للمناطق الحدودية داخل أي بلد في الكون، و الذي يفرض طابعا فريدا،و وضعا خاصا لساكنتها لاسيما و ان مليلية المحتلة تبقى امتداد جغرافي لمحيطها المغربي،فهي و ان كانت تحت سيطرة الاسبان، فإنها في نهاية المطاف تتنفس هواء مغربيا خالصا،و تقبع على صفيحة تكتونية قارية غير تلك التي توجد فيها سلطات الاحتلال، ناهيك عن عدم وجود اي تمايز ثقافي، عرقي او لغوي بينها و باقي التراب المغربي،انطلاقا من ريفه العظيم،مرورا عبر جبال الاطلس الشامخة،و انتهاءا بصحرائه الكبرى،فسكان تلك المناطق المتاخمة للحدود غالبا ما يكون نمط حياتهم الى جانب ارتباطهم بالاقتصاد الوطني و السياسات الموجهة له يبقى.علاوة على ذلك مرتبطا بتفاعله الاجتماعي و الاقتصادي مع الجوار بغض النظر عن وضعه القانوني هل هو ثغر محتل ام غير ذلك.
و في صميم اعتقادي أرى بأن ذلك القطع التام لكافة الأوصال بين الثغرين السليبين و محيطهما المغربي،و لا سيما على المستوى الاقتصادي و ما كانت توفره سبتة و مليلية من فرص عمل و ايرادات مادية للأفراد مياومين كانوا أم تجار، هو السبب الكامن خلف كل ما حدث لما سبق،و ان تم بيانه بإيجاز أعلاه.و حتى من حاول العبور او عبر إلى هناك بالفعل،فإنه كان اما من بعض الشباب الذي كان يعيش نمط حياة انقلب في رمشة عين من رخاء و سعة الى ضنك عيش،و صعوبة في تقبل وضع جديد،فرضه منع التنقل الحر من دون تأشيرة بين الجانبين،و هو ما كان يوفر فرص عمل يومي، و إما كان متربصا في حالة كمون هناك لمدة ينتظر الفرصة للوصول الى تحقيق ما يراه حلما يكون السبيل الى تحسين احواله و سبل عيشه. أما من يقول ان هناك اجتياح او غزو مدبر بليل فإنه إما احمق أم جاهل.
في الختام و أنا استعير عنوانا للاديب اللبناني جبران خليل جبران لإحدى روائعه ” لي لبناني و لكم لبنانكم” ،لأقول بدوري لي مغربي و لكم مغربكم، مغربي مملكة عريقة من طنجة إلى الكويرة يسكنها شعب أبي يستحق العيش بكرامة،و أمان و رخاء بعيدا عن كل مظاهر الفاقة و الحاجة و الفقر،لا يسعنا الا الدعاء باللهم اجعل بلدنا هذا آمنا مطمئنا و اجعل كيد كل من يتربص به في نحره.
الاستاذ ح.أ 2026/08/03
فرخانة بتاريخ: 2026/08/03


