اي مصير تشريعي ينتظر النص المثير للجدل

بعد إحالة مشروع قانون المحاماة على المحكمة الدستورية وفي سياق ما يتداول من عقد دورة استثنائية من عدمها و استئناف العمل أي مصير تشريعي ينتظر النص المثير للجدل ؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي التمييز بين ما هو دستوري ملزم، وما هو سياسي أو تدبيري.
بالرجوع إلى الفصل 132 من الدستور، تختص المحكمة الدستورية بممارسة الرقابة على دستورية القوانين قبل الأمر بتنفيذها، متى تمت إحالتها إليها وفق الشروط التي يحددها الدستور. وبمجرد مباشرة هذه الرقابة، يصبح القرار المنتظر محدداً للمسار التشريعي اللاحق
من هذا المنطلق نجد ان هناك عدة فرضيات :
الفرضية الأولى تتعلق بالتصريح بمطابقة المشروع للدستور.
في هذه الحالة، تستكمل مسطرة إصدار القانون وفق الإجراءات الدستورية العادية، ولا يبقى أي مانع دستوري يحول دون نشره ودخوله حيز التنفيذ.وهذه الفرضية ستخيب آمال الجسم المهني
الفرضية الثانية تخص التصريح بعدم دستورية بعض المقتضيات فقط.
وهنا ينبغي التمييز بين حالتين :
-فإذا كانت المقتضيات التي ستقضي المحكمة بعدم دستوريتها مقتضيات ثانوية أو قابلة للفصل عن باقي النص، فإن المشروع يعود إلى السلطة التشريعية من أجل تعديلها بما ينسجم مع القرار الدستوري، ثم استكمال مسطرة المصادقة.
-أما إذا تعلقت المقتضيات غير الدستورية بجوهر المشروع أو بفلسفته العامة أو بالتوازنات التي قام عليها، وهذا ما اثاره المحامون فإن الأمر قد يتجاوز مجرد تعديل تقني، ليقتضي إعادة النظر في المشروع برمته، بما يستلزم حواراً تشريعياً ومؤسساتياً جديداً.
وتكتسي هذه الفرضية أهمية خاصة إذا كانت المقتضيات المعنية تمس المبادئ الدستورية المؤطرة لمهنة المحاماة، أو الضمانات المرتبطة باستقلال الدفاع، أو الأمن القانوني، أو المقاربة التشاركية في إعداد النصوص ذات الصلة بالمهن المنظمة.
وفي جميع الأحوال، فإن الفصل 134 من الدستور يحسم الأثر القانوني لقرارات المحكمة الدستورية، عندما ينص على أن قراراتها ملزمة لجميع السلطات العامة ولكافة الجهات الإدارية والقضائية، وهو ما يعني أن أي مقتضى تقضي المحكمة بعدم دستوريته لا يمكن إصداره أو العمل به إلا بعد إزالة سبب مخالفته للدستور.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يمكن، في حالة صدور قرار بعدم دستورية بعض المواد، أن يعقد البرلمان دورة استثنائية لإدخال التعديلات اللازمة وتمرير المشروع قبل انتهاء الولاية التشريعية؟
من الناحية الدستورية، يبقى الجواب بالإيجاب، لأن الفصل 66 من الدستور يجيز عقد دورة استثنائية للبرلمان بطلب من رئيس الحكومة أو بطلب من أغلبية أعضاء مجلس النواب أو أغلبية أعضاء مجلس المستشارين، مع تحديد جدول أعمالها.
وعليه، فإن إمكانية عقد دورة استثنائية تظل قائمة من الناحية الدستورية، ولا يحول دونها سوى غياب الإرادة السياسية أو عدم توفر الشروط التي تبرر اللجوء إليها.
أما ما يروج من التزام لرئيس الحكومة بعدم الدعوة إلى دورة استثنائية إذا استجابت المحكمة الدستورية للدفوع المثارة، فإنه – إن صح – يظل التزاماً سياسياً وأخلاقياً، وليس قاعدة دستورية ملزمة. فالدستور وحده هو الذي ينظم كيفية انعقاد البرلمان، ولا يمكن لأي التزام سياسي أن يقيد الصلاحيات التي منحها الدستور للسلطات المختصة.
ومن ثم، فإن مصير المشروع لن يتوقف فقط على مضمون قرار المحكمة الدستورية، بل أيضاً على الخيار السياسي الذي ستتبناه الحكومة بشأن استكمال المسطرة التشريعية أو إرجائها.
لذلك إذا خلصت المحكمة الدستورية إلى وجود اختلالات جوهرية تمس فلسفة المشروع أو بعض المبادئ الدستورية الأساسية التي يقوم عليها، فإن الحكمة التشريعية تقتضي عدم التعجيل بتمريره في دورة استثنائية، وإنما ترك المجال للحكومة والبرلمان المقبلين لإعادة فتح النقاش في إطار مقاربة تشاركية حقيقية، بما يضمن إخراج نص يحظى بالشرعية الدستورية والقبول المهني.
فالقوانين المنظمة لمهنة المحاماة لا ينبغي أن تُقاس بمنطق الأغلبية العددية أو بضيق الزمن التشريعي، وإنما بمدى احترامها للدستور، وضمانها لاستقلال المهنة، وصيانتها لحق الدفاع، باعتبار المحاماة شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة وترسيخ دولة الحق والقانون.
ختاما الكلمة الأخيرة أصبحت اليوم
للمحكمة الدستورية، غير أن احترام قراراتها لا يقتصر على تنفيذ منطوقها، وإنما يقتضي استيعاب فلسفتها وأسبابها، لأن الرقابة الدستورية ليست مجرد رقابة على نصوص، بل هي حماية لمبادئ الدولة الدستورية، وضمان لجودة التشريع، وصون لحقوق المواطنين والمؤسسات على حد سواء



